محمد جمال الدين القاسمي

249

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الكفر والعداوة . وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم ، وإجراء أحكام الإسلام عليهم . بحقن الدماء وحصن الأمول وغير ذلك . وادّخار العذاب الأليم ، والمآل الوخيم ، وسوء المغبّة لهم ، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم . لكن الفرق بين الخداعين : أن خداعهم لا ينجح إلّا في أنفسهم . بإهلاكها ، وتحسيرها ، وإيراثها الوبال والنكال - بازدياد الظلمة ، والكفر ، والنفاق ، واجتماع أسباب الهلكة ، والبعد والشقاء ، عليها - وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير ، ويوبقهم أشد إيباق ، كقوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ آل عمران : 54 ] ، وهم - من غاية تعمّقهم في جهلهم - لا يحسون بذلك الأمر الظاهر . وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ( وما يخادعون ) بالألف . قال ابن كثير : نبه الله سبحانه على صفات المنافقين ، لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون ، فيقع بذلك فساد عريض - من عدم الاحتراز منهم ، ومن اعتقاد إيمانهم ، وهم كفّار في نفس الأمر - وهذا من المحذورات : أن يظنّ بأهل الفجور خير . ثم إن قول من قال : كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين - إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان « 1 » في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا - في غزوة تبوك - الذين همّوا أن يفتكوا برسول الله صلى اللّه عليه وسلّم في ظلماء الليل عند عقبة هناك ، عزموا على أن ينفّروا به الناقة ، ليسقط عنها ، فأوحى اللّه إليه أمرهم ، فأطلع على ذلك حذيفة . فأما غير هؤلاء ، فقد قال الله تعالى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ [ التوبة : 101 ] الآية . وقال تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا ففيها دليل على أنه لم يغربهم ولم يدرك على أعيانهم ، وإنما كان تذكر له صفاتهم ، فيتوسمها في بعضهم ، كما قال تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ [ محمد : 30 ] . وقد كان من أشهرهم بالنفاق ، عبد الله بن أبيّ بن سلول . و استند - غير واحد من الأئمة - في الحكمة عن كفّه صلى اللّه عليه وسلّم عن قتل المنافقين ، بما ثبت في الصحيحين أنه صلى اللّه عليه وسلّم قال لعمر رضي الله عنه « أكره أن يتحدّث العرب أنّ

--> ( 1 ) أخرجه الإمام مسلم في : صفات المنافقين وأحكامهم ، حديث 9 و 10 و 11 .